أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
64
العقد الفريد
كانت تميم معشرا ذوي كرم * غلصمة من الغلاصيم العظم « 1 » قد نفخوا لو ينفخون في فحم * وصبروا لو صبروا على أمم « 2 » إذا ركبت ضبّة أعجاز النّعم * فلم ندع ساقا لها ولا قدم يوم الشيطين « 3 » : لبكر على تميم قال أبو عبيدة : لما ظهر الإسلام - قبل أن يسلم أهل نجد والعراق - سارت بكر ابن وائل إلى السواد ، وقالت : نغير على تميم بالشّيطين ، فإن في دين ابن عبد المطلب : من قتل نفسا قتل بها : فنغير هذا العام ثم نسلم عليها ! فارتحلوا من لعلع « 4 » بالذراري والأموال : فأتوا الشيطين في أربع ، وبينهما مسيرة ثمانية أميال ، فسبقوا كل خير حتى صبحوهم وهم لا يشعرون ، ورئيسهم يومئذ بشر بن مسعود بن قيس بن خالد ذي الجدين ، فقتلوا بني تميم قتلا ذريعا ، وأخذوا أموالهم ، واستحرّ « 5 » القتل في بني العنبر وبني ضبة وبني يربوع ، دون بني مالك بن حنظلة . قال أبو عبيدة : حدثنا أبو الحمناء العنبري ، قال قتل من بني تميم يوم الشّيطين ستّمائة رجل . قال : فوفد وفد بني تميم على النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فقالوا : ادع اللّه على بكر بن وائل ! فأبى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال رشيد ابن رميص العنبري : وما كان بين الشّيطين ولعلع * لسوقنا إلّا مراجع أربع فجئنا بجمع لم ير النّاس مثله * يكاد له ظهر الوريعة يضلع « 6 » بأرعن دهم شيّد البلق وسطه * له عارض فيه الأسنّة تلمع « 7 » صبحنا به سعدا وعمرا ومالكا * فكان لهم يوم من الشّرّ أشنع فخلّوا لنا صحن العراق وإنّه * حمى منهم لا يستطاع ممنّع
--> ( 1 ) الغلصمة : الصفيحة الغضروفية عند أصل اللسان . ( 2 ) الأمم : اليسير . ( 3 ) الشّيطان : واديان . ( 4 ) لعلع : موضع وقيل جبل . ( 5 ) استحرّ القتل : اشتد . ( 6 ) الوريعة : فرس . ( 7 ) الأرعن : العظيم الجرّار